أحمد بن محمد الخضراوي
212
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه
القيطنة من أعمال الجزائر ؛ وكان لوالده - رحمه الله ، مدرسة عظيمة محتوية على جملة من طلبة العلم نحو خمسئة يواسيهم في معاشهم ، وينهضهم لمعادهم ، فاهتزت الأرض لمولده طربا ، وتاهت الرياض على الأكمام عجبا ، فتبرك والده بطلعته ، ثم لما تمت مدة تربيته أدخله المدرسة المذكورة ، فظهرت عليه آيات النجابة ، وساعدته يد الإقبال بسير العناية والهداية ، فبرع في المعقول والمنقول بعد حفظه لكتاب اللّه المجيد ، ثم صار يتعلم الفروسية والرمي حتى شاع ذكره في الأقران ، وبعد صيته في الخلّان والأخدان ، ولعمري إن كان الزمان بدرا فهو هالته ، أو خدّا فهو توريده وشامته . ثم في سنة إحدى وأربعين ومئتين وألف عزم والده على التوجه إلى الحج الشريف ، وزيارة قبر النبي المنيف ، فأصحبه معه ، وجعل طريقه برا إلى تونس ، ثم ركب البحر إلى الإسكندرية ، ثم إلى القاهرة ، ثم إلى بحر السويس ، ثم إلى جدة ، ثم إلى مكة المشرفة ، فحج وقضى المناسك ، ثم زار قبر أفضل / كل حاج وناسك ، ثم قصد الديار الشامية لزيارة الأقصى « 1 » ، ثم قصد به دار السلام بغداد لزيارة السيد عبد القادر الكيلاني ، رضي الله عنه ، ثم منها إلى مكة المشرفة ثانيا ، فحج واعتمر ، وزار قبر النبي القمر ، ثم في سنة اثنتين وأربعين ومئتين وألف ، في مدة هذه السياحة ، اجتمع بجملة أفاضل من علماء الحرمين الشريفين ومصر والشام وبغداد ، وتلقى عن الجميع ، ودعوا له بالفتوح ، رحمهم الله . ثم رجع إلى الجزائر ثانيا لبلدته المشهورة ، ثم في سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف دخل الفرنسيس إلى الجزائر ، وتملك ثغورها ، ورجع الباشوات الذين كانوا بها من طرف الدولة العثمانية ، نصرهم الله ؛ وبعد دخولهم كثر في أهلها الفساد والهرج
--> ( 1 ) أي المسجد الأقصى في القدس